أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
392
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يجيء قوله تعالى : « كَأَنْ لَمْ تَكُنْ » التفاتة بليغة واعتراضا بين القول والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم . وقال الرازي : هو اعتراض في غاية الحسن لأن من أحب إنسانا فرح لفرحه وحزن لحزنه فإذا قلب القضية فذلك إظهار للعداوة فحكى تعالى صورة المنافق عند نكبة المسلمين ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب فواته الغنيمة فقبل أن يذكر الكلام بتمامه ألقى قوله : « كَأَنْ لَمْ تَكُنْ » والمراد التعجب كأنه يقول : انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ولا مخالطة أصلا والذي حسن الاعتراض بهذه الجملة - وإن كان محلها التأخير - كون ما بعدها فاصلة وهي ليست بفاصلة وقال الفارسي : هذه الجملة من قول المنافقين للذين أقعدوهم عن الجهاد وخرجواهم كأن لم تكن بينكم وبينه - أي وبين الرسول عليه الصلاة والسّلام - « مَوَدَّةٌ » فيخرجكم معه لتأخذوا من الغنيمة ليبغضوا بذلك الرسول إليهم فأعاد الضمير على « بينة » على النبي عليه السّلام . وتبع الفارسي في ذلك مقاتلا ؛ قال مقاتل : معناه كأنه ليس من أهل ملتكم ولا مودة بينكم يريد أن المبطىء قال لمن تخلف عن الغزو من المنافقين وضعفة المؤمنين ومن تخلف بإذن : كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة فيخرجكم إلى الجهاد فتفوزوا بما فاز . الثاني : من الأقوال : أنها في محل نصب بالقول فيكون تعالى قد حكى بالقول جملتين : جملة التشبيه وجملة التمني وهذا ظاهر على قول مقاتل والفارسي حيث زعموا أن الضمير في « بَيْنَهُ » للرسول عليه السّلام . الثالث : أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستتر في « لَيَقُولَنَّ » كما تقول : مررت بزيد وكان لم يكن بينك وبينه معرفة فضلا عن مودة ونقل هذا عن الزجاج وتبعه أبو البقاء في ذلك وإنما أطلت النفس في هذه الآية لأني رأيت أقوال الناس فيها منتشرة فضممتها . و « يا » فيها قولان : أحدها : وهو قول الفارسي أنها لمجرد التنبيه فلا يقدر منادي محذوف ولذلك باشرت الحرف . والثاني : أن المنادي محذوف تقديره : يا هؤلاء ليتني وهذا الخلاف جار فيها إذا باشرت حرفا أو فعلا كقراءة الكسائي : « ألا يا اسجدوا » « 1 » وقوله : 1615 - ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال * . . . « 2 » وقوله : 1616 - يا حبذا جبل الريان من جبل * . . . « 3 » على القول بفعليه « حبذا » ولا يفعل ذلك إلا ب « يا » خاصة دون سائر حروف النداء لأنها أم الباب وقد كثرت مباشرتها ل « ليت » دون سائر الحروف .
--> ( 1 ) سورة النمل ، الآية ( 25 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) صدر بيت وعجزه . . . * وحبذا ساكن الريان من كان انظر ديوانه ( 596 ) ، الهمع ( 2 / 88 ) ، الدرر ( 2 / 115 ) ، وابن يعيش ( 7 / 140 ) .